أبو حامد الغزالي
91
تهافت الفلاسفة
السماء متشابهة الأجزاء ، فإنها بسيطة ، لا سيما الفلك الأعلى الذي هو التاسع فإنه غير مركب « 1 » أصلا ، وهو متحرك على قطبين شمالي وجنوبي ، فنقول : ما من نقتطين متقابلتين من النقط التي لا نهاية « 2 » لها عندهم ألا ويتصور أن يكوناهما القطبين ، فلم تعينت نقطتا الشمال والجنوب للقطبية والثبات ؟ ! ولم لم يكن خط المنطقة مارا بالنقطتين حتى يعود القطب إلى نقطتين متقابلتين على المنطقة ؟ ! فإن كان في مقدار كبر السماء وشكله حكمة ، فما الذي ميز محل القطب عن غيره ، حتى تعين لكونه قطبا ، دون سائر الأجزاء والنقط ، وجميع النقط متماثلة ، وجميع أجزاء الكرة متساوية ؟ ! وهذا لا مخرج عنه . فإن قيل : لعل الموضع الذي عليه نقطة القطب يفارق غيره بخاصية تناسب كونه محلا للقطب حتى يثبت ، فكأنه لا يفارق مكانه وحيزه ووضعه أو ما يفرض إطلاقه عليه من الأسامى ؛ وسائر مواضع الفلك يتبدل بالدور وضعها من الأرض ومن الأفلاك ، والقطب ثابت الوضع ، فلعل ذلك الموضع كان أولى بأن يكون ثابت الوضع من غيره . قلنا ففي هذا تصريح بتفاوت أجزاء الكرة الأولى في الطبيعة ، وأنها ليست متشابهة الأجزاء ؛ وهو على خلاف أصلكم ، إذ أصل ما استدللتم به على لزوم كون السماء كرى الشكل أنه بسيط الطبيعة متشابه لا تفاوت فيها ، وأبسط الأشكال الكرة ، فإن التربيع ، والتسديس ، وغيرهما ، يقتضى خروج زوايا وتفاوتها ، وذلك لا يكون إلا بأمر زائد على الطبع البسيط ، ولكنه وإن خالف مذهبكم فليس يندفع « 3 » الإلزام به ، فإن السؤال في تلك الخاصية قائم ، إذ سائر الأجزاء هل كان قابلا تلك الخاصية أم لا ؟ ! فإن قالوا : نعم ، فلم اختصت الخاصية من ببن المتشابهات ببعضها ؟ ! وإن قالوا : لم يكن ذلك إلا في ذلك الموضع ، وسائر الأجزاء لا تقبلها ، فنقول : سائر الأجزاء من حيث أنها
--> ( 1 ) في نسخة « مكوكب » . ( 2 ) لعله يشير إلى رأيهم في تركب الجسم من أجزاء بالقوة لا نهاية لها . ( 3 ) أي فليس يقتصر الإلزام عليه .